الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
182
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
يخاف منه الشرق ، بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه ، فإذا تنفس رويدا ثم شرب أمن من ذلك . وقد روى عبد اللّه بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصّا ، ولا يعب عبّا فإنه يورث الكباد « 1 » . والكباد : - بضم الكاف وتخفيف الباء - وجع الكبد . ولا معارضة بين التنفس هنا وبين النهى عن التنفس في الإناء الوارد في الحديث ، لأن المنهى عنه التنفس داخل الإناء ، فإنه ربما حصل للماء تغير من النفس ، إما لكون المتنفس كان متغير الفم لمأكول مثلا ، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة ، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة ، وهاهنا التنفس خارج الإناء فلا تعارض ، فلو لم يتنفس جاز الشرب بنفس واحد ، وقيل يمنع مطلقا لأنه شرب الشيطان . وكان - صلى اللّه عليه وسلم - إذا دعى لطعام وتبعه أحد أعلم به رب المنزل ، فيقول : « إن هذا تبعنا فإن شئت رجع » « 2 » . وكان يكرر على أضيافه ويعرض عليهم الأكل مرارا ، وفي حديث أبي هريرة في قصة شرب اللبن ، وقوله مرارا : « اشرب » فما زال يقول : اشرب حتى قال : والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا « 3 » . رواه البخاري . وكان - صلى اللّه عليه وسلم - إذا أكل مع قوم كان آخرهم أكلا . رواه البيهقي في الشعب عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا . وفي حديث ابن عمر مرفوعا عند ابن ماجة والبيهقي : « إذا وضعت المائدة فلا يقوم الرجل
--> ( 1 ) ضعيف : أخرجه سعيد بن منصور في سننه وابن السنى ، وأبو نعيم في الطب ، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن أبي حسين مرسلا ، كما في « ضعيف الجامع » ( 561 ) . ( 2 ) صحيح : والحديث أخرجه البخاري ( 2081 ) في البيوع ، باب : السهولة والسماحة في الشراء والبيع ، ومسلم ( 2036 ) في الأشربة ، باب : ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه ، من حديث أبي مسعود - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) صحيح : وهو جزء من حديث طويل أخرجه البخاري ( 6452 ) في الرقاق ، باب : كيف كان عيش النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وأصحابه ، وتخليهم من الدنيا .